أبي منصور الماتريدي

438

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وتنزل الملائكة وأنواع الخير كلها ، والمراد من ذلك الأماكن كلها . وغيره من أهل التفسير « 1 » صرف الرؤية إلى جبريل ، عليه السلام . وذكر أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم سأل جبريل - عليه السلام - أن يراه على صورته ، فقال له جبريل - عليه السلام - : « إن الأرض لا تسعني ، ولكن إذا صليت الفجر ، فانظر إلى أفق السماء ؛ فهنالك تراني » « 2 » ، ففعل فرآه على صورته ، ثم دنا منه ، فكان قاب قوسين أو أدنى « 3 » ، فذكر الأفق ؛ لأن الشيء من البعد لا يتهيأ أن يرى من أقطار الأرض ؛ لذلك خصت الأفق ؛ إذ كذلك تقع رؤية ما بعد ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ، وقرئ بظنين . قال أبو عبيد : والظنين أولى ؛ [ لأن الظنين ] هو المتهم ، والضنين : البخيل ، ولم ينسب أحد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إلى البخل حتى ينفي عنه البخل بهذه الآية ، وقد كانوا يتهمونه على الغيب ، وهو القرآن ، فكانوا يقولون : علمه بشر ، وليس من عند الله ، ويقولون - أيضا - : إن هذا إلا إفك افتراه ؛ فبرأه الله تعالى مما قالوا بقوله : وما هو على الغيب بظنين ومن قرأه « 4 » بالضاد فهو يحتمل أوجها : أحدها : ما ذكره أبو بكر الأصم ، وهو أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يضن بشيء علمه الله - تعالى - عن أحد من أصحابه كما يفعله غيره من العلماء ؛ لأن العلماء لا يريدون أن يعلموا من اختلف إليهم كل ما عندهم من العلوم حتى يستغنى عنهم ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يود أن يعلم جميع ما علم من العلوم أصحابه ؛ فكان يقوم على تعليم كل منهم بقدر طاقته ، ولم يكن يمتنع عن التعليم بخلا منه وضنّا . وجائز أن يكون برأه الله - تعالى - من هذا ؛ لما علم أنه يكون في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم من يزعم أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم خص بعض أصحابه بتعليم أشياء لم يطلع عليها غيرهم ، وتخصيص بعض دون بعض بتعليم ما عنده بخل في الشاهد ؛ فكان في قوله : وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ تكذيب أولئك الذين يدعون هذا ، وهذا كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته » ، فكأنه قال هذا لما علم أنه يكون في أمته من يتقدم

--> ( 1 ) قاله ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 530 ) ، وهو قول ابن عباس وعكرمة وقتادة والشعبي وغيرهم . ( 2 ) تقدم في سورة النجم . ( 3 ) في أ : لأنه . ( 4 ) في ب : قرأ .